الشيخ عبد الغني النابلسي

403

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

إلّا بذلك الفعل . فإنّ الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأنّ الأعيان الثّابتة اقتضتها ؛ فلا تظهر في الوجود إلّا بصورة ما هي عليه في الثّبوت إذ لا تبديل لكلمات اللّه . وليست كلمات اللّه سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها كما تقول حدث اليوم عندنا إنسان أو ضيف ولا يلزم من حدوثه أنّه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث . ولذلك قال تعالى في كلامه العزيز أي في إتيانه مع قدم كلامه : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) [ الأنبياء : 2 ] وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) [ الشعراء : 5 ] . والرّحمن لا يأتي إلّا بالرّحمة . ومن أعرض عن الرّحمة استقبل العذاب الّذي هو عدم الرّحمة . ولما علمت السحرة بعد إيمانهم صدقه ، أي فرعون فيما قال لهم كما حكاه تعالى : قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ( 71 ) [ طه : 71 ] لم ينكروه ، أي قوله وأقروا له بذلك ، بنفوذ تحكمه في الحياة الدنيا فقالوا له ، قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 72 ) [ طه : 72 ] وفي معنى الآية تقديم وتأخير وتقديره كما قال : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ [ طه : 72 ] فالدولة ، أي السلطنة والمنصب لك فصح قوله ، أي فرعون حينئذ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أنا نافذ الأمر في جميع أحوالكم وإن كان ، أي فرعون لما قال ذلك عين الحق تعالى من حيث الوجود الظاهر بالفعل . فالصورة الظاهرة لفرعون فنفذ أمره فقطع الأيدي والأرجل من السحرة وصلب لهم كما توعدهم بذلك بعين حق ظاهر في صورة باطل وهو فرعون لنيل ، أي حصول مراتب ، أي مزايا ومقامات في الآخرة للسحرة لا تنال تلك المراتب إلا بذلك الفعل الذي فعله فرعون بالسحرة من القطع والصلب . فإن الأسباب التي جعلها اللّه تعالى بحيث يترتب عليها المسببات لا سبيل إلى تعطيلها أصلا ، كما قتل اليهود أنبياءهم وقطع رأس يحيى ونشر زكريا عليهم السلام ، فهي أسباب لمسببات شريفة عظيمة جعلها اللّه تعالى وسائل إليها لأن الأعيان الثابتة في العلم الإلهي المعدومة بالعدم الأصلي اقتضتها ، أي تلك الأسباب فهي مرتبة معها كذلك فلا تظهر ، أي تلك الأعيان الثابتة في هذا الوجود إلا بصورة ما هي عليه في حال الثبوت العلمي مطابقة لذلك إذ لا تبديل